محار الحسن ، مساحات
مع انتهاء حقبة طويلة من الصراع في سوريا، يبرز تحدٍ اقتصادي واجتماعي هائل يهدد بتشكيل ملامح البلاد لعقود قادمة. تقدر تقارير البنك الدولي الأحدث، الصادرة في أكتوبر 2025، تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بين 140 و345 مليار دولار، مع تقدير محافظ يبلغ 216 مليار دولار. من هذا المبلغ الضخم، يُخصص نحو 75 مليار دولار لإصلاح وإعادة بناء المباني السكنية وحدها، فيما يُقدر الضرر في البنية التحتية بـ82 مليار دولار، وفي المباني غير السكنية بـ59 مليار دولار. هذه الأرقام تعكس حجم الدمار الذي لحق بنصف المخزون السكني تقريباً، وسط نزوح يشمل أكثر من نصف السكان سابقاً، مع عودة ملايين من النازحين واللاجئين منذ نهاية 2024.
في قلب هذا التحدي، تبرز معضلة استراتيجية: هل يجب على الحكومة الجديدة أن تركز جهودها على توفير مئات الآلاف من الوحدات السكنية المتوسطة التكلفة لإعادة توطين العائدين، أم أن الاستمرار في جذب الاستثمارات الخليجية الكبرى نحو مشاريع فاخرة يمثل الطريق الأسرع لإنعاش الاقتصاد؟
منذ تولي الإدارة الجديدة، شهدت سوريا تدفقاً ملحوظاً للاستثمارات الخليجية، خاصة من السعودية والإمارات وقطر. أعلنت الرياض في يوليو 2025 عن حزمة استثمارات بقيمة 6.4 مليار دولار، نصفها تقريباً موجه نحو العقارات والبنية التحتية، مع صفقات إضافية في فبراير 2026 تشمل الاتصالات والعقارات في المدن القديمة. وقّعت دمشق أيضاً اتفاقيات بمليارات مع قطر لتوسعة مطار دمشق الدولي (4 مليارات دولار) ومشاريع طاقة، إلى جانب صفقات إماراتية لتطوير موانئ ومترو. هذه المشاريع غالباً ما تركز على مناطق مركزية في دمشق، مثل إعادة إحياء مشروع \"باسيليا سيتي\" (المعروف سابقاً بماروتا سيتي)، الذي يشمل أبراجاً فاخرة ومراكز تجارية، بالإضافة إلى مشاريع مشابهة في حلب وحمص.
لكن هذا التوجه يثير مخاوف خبراء عقاريين ومحللين من \"إعمار للنخبة\"، حيث يُفضل جذب رؤوس الأموال السريعة على حساب الحاجات الملحة للغالبية. يقول خبير عقاري سوري بارز، في تصريحات لتقارير دولية، إن \"التركيز على المشاريع الفاخرة قد يرفع أسعار الأراضي في دمشق وحلب بشكل جنوني، مما يجعل السكن الاقتصادي بعيداً المنال عن العائدين الذين يعانون من الفقر المدقع\". في دمشق، شهدت أسعار الأراضي ارتفاعاً حاداً مع تدفق الاستثمارات، حيث تُباع قطع أراضٍ سكنية بملايين الليرات السورية (معادلة لآلاف الدولارات)، بينما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر. في حلب، التي دُمرت بشكل واسع، تظهر إعلانات بيع أراضٍ بأسعار مرتفعة نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، مما يعزز من مخاطر تهميش الطبقات المتوسطة والفقيرة.
من جهة أخرى، يدافع بعض الخبراء عن دور الشراكات الخليجية والتركية كمحرك أساسي للإعمار. يرى محللون أن هذه الاستثمارات توفر السيولة اللازمة لإصلاح البنية التحتية، وتولد فرص عمل، وقد تُمهد لمشاريع أوسع تشمل السكن المتوسط. ومع ذلك، يحذر تقرير صادر عن مؤسسة \"القرن\" الأمريكية من أن \"الصفقات الحالية تركز على العقارات الاستثمارية في دمشق، بينما يعيش ملايين في خيام أو مبانٍ غير مكتملة\"، مشيراً إلى غياب الشفافية في العقود كعامل يزيد من مخاطر الفساد والإقصاء.
في الواقع، يبقى الطلب الحقيقي على السكن الاقتصادي هائلاً. عاد أكثر من 3 ملايين نازح ولاجئ منذ نهاية 2024، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، لكنهم يواجهون منازل مدمرة أو محتلة، ونقصاً حاداً في الخدمات الأساسية. يؤكد خبراء في منظمات إغاثية أن بناء 100,000 وحدة سكنية متوسطة التكلفة على الأقل ضروري لدعم العودة المستدامة، مع التركيز على مناطق العودة الرئيسية مثل دمشق وحلب وحمص.
في النهاية، ترجح كفة الاستثمارات نحو التوازن بين الاثنين، لكن مع ميل حالي نحو الفاخر لجذب السيولة السريعة. يتفق معظم الخبراء العقاريين على أن النجاح يتطلب سياسات شفافة تضمن تخصيص جزء كبير من الإيرادات للسكن الاجتماعي، وإصلاحات قانونية تحمي حقوق الملكية، وشراكات دولية أوسع. بدون ذلك، قد يتحول إعمار سوريا إلى فرصة ضائعة، حيث يزدهر القلة بينما يبقى الغالبية في ظلال الدمار.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!