الرياض – محار الحسن
منذ انطلاقة رؤية السعودية 2030 في عام 2016، لم يعد قطاع الإسكان في المملكة مجرد ملف خدمي تقليدي، بل تحوّل إلى أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي والاجتماعي، مدفوعًا بحزمة إصلاحات هيكلية وتشريعية غير مسبوقة، أعادت رسم العلاقة بين المواطن والسوق العقاري، ورفعت سقف الطموح نحو مجتمع أكثر استقرارًا وجودة حياة.
اليوم، وبعد أقل من عقد، تقف المملكة أمام قصة نجاح واضحة المعالم، عنوانها الأبرز: ارتفاع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن من 47% في 2016 إلى 66.24% بنهاية 2025، وفق ما أكده وزير البلديات والإسكان ماجد الحقيل، في مؤشر يعكس عمق التحول وفاعلية السياسات الحكومية.
تحوّل جذري: من أزمة تملك إلى منظومة متكاملة
لم يكن الطريق إلى هذه القفزة مفروشًا بالحلول التقليدية، بل اعتمد على إعادة هندسة شاملة للقطاع، شملت إطلاق برامج نوعية أبرزها برنامج “سكني” الذي مثّل حجر الأساس في تمكين المواطنين.
فبعد أن كان الحصول على مسكن قد يستغرق بين 10 إلى 15 عامًا، أصبحت الخيارات اليوم متعددة وسريعة، تشمل:
• التمويل المدعوم
• البناء الذاتي
• الوحدات الجاهزة
• مشاريع البيع على الخارطة
• الأراضي المطورة
وحتى مارس 2026، تجاوز إجمالي العقود المدعومة 1.02 مليون عقد سكني، فيما بلغ عدد المستفيدين من برامج الدعم السكني أكثر من مليون مستفيد، وهو رقم يعكس التحول من “تقديم منتج” إلى “بناء منظومة”.
أرقام تعكس القوة: نمو التمويل والاستثمار العقاري
التحول لم يكن اجتماعيًا فقط، بل اقتصاديًا بامتياز، حيث كشف الحقيل أن:
• محافظ التمويل العقاري تمثل نحو 27% من إجمالي التمويل البنكي
• إصدار صكوك محلية تجاوز 20 مليار ريال
• إصدار دولي بلغ 4.5 مليار دولار
• استقطاب استثمارات عقارية تتجاوز 40 مليار ريال
هذه المؤشرات تعكس ثقة المستثمرين في السوق العقاري السعودي، الذي بات أحد أكثر الأسواق جاذبية في المنطقة.
300 ألف وحدة جديدة وضخ غير مسبوق في المعروض
ضمن جهود تحقيق التوازن بين العرض والطلب، تعمل الوزارة بالشراكة مع القطاع الخاص على:
• ضخ أكثر من 300 ألف وحدة سكنية في الرياض خلال 3 سنوات
• تنفيذ مشاريع سكنية في 16 مدينة بمختلف مناطق المملكة
• تجاوز عدد الوحدات المطروحة فعليًا 300 ألف وحدة حتى نهاية 2025
كما أسهم برنامج رسوم الأراضي البيضاء في توفير أكثر من 100 مليون متر مربع من الأراضي القابلة للتطوير داخل مدينة الرياض، ما ساعد في كبح التضخم العقاري وتحفيز البناء.
التحول الرقمي: 80% من العمليات العقارية إلكترونية
في موازاة التطوير التشريعي، شهد القطاع قفزة رقمية نوعية، حيث:
• تم تشغيل 13 منصة رقمية عقارية
• تخدم هذه المنصات أكثر من 35 مليون مستخدم
• تنفيذ نحو 80% من التعاملات العقارية رقميًا
• إصدار أكثر من 1.3 مليون سجل عقاري
هذه المنظومة الرقمية عززت الشفافية، ورفعت كفاءة الأداء، وسرّعت الإجراءات بشكل غير مسبوق.
تنظيم السوق: من الفوضى إلى الحوكمة
لم يكن النمو ممكنًا دون ضبط السوق، وهو ما تحقق عبر:
• تأسيس الهيئة العامة للعقار
• إطلاق منصة “إيجار” لتوثيق العقود
• تطوير الأنظمة والتشريعات
• إدخال نظام تملك غير السعوديين ضمن إطار منظم
وأكد الحقيل أن المملكة تبنت نهج “التوازن العقاري” كاستراتيجية لضمان استقرار السوق، وتعزيز العدالة، ومنع التقلبات الحادة.
الإسكان التنموي: البعد الإنساني في المعادلة
إلى جانب الحلول الاقتصادية، برز الإسكان التنموي كنموذج يعكس البعد الاجتماعي للرؤية، حيث يستهدف:
• الأسر الأشد حاجة
• تعزيز التكافل المجتمعي
• إشراك القطاعين الخاص وغير الربحي
وقد شهد هذا القطاع نموًا في العمل التطوعي، مع توسع المبادرات التي تهدف إلى تمكين الأسر وتوفير بيئة معيشية كريمة.
مرحلة جديدة: من «وحدة سكنية» إلى «مجتمع متكامل»
أكدت وزارة البلديات والإسكان أن التحول الحالي يتجاوز مفهوم توفير المسكن، ليركز على:
• تطوير مجتمعات عمرانية متكاملة
• توفير الخدمات والمرافق
• خلق فرص اقتصادية داخل الأحياء
• تحسين جودة الحياة
وهو توجه يتماشى مع مستهدفات برنامج جودة الحياة، أحد برامج رؤية 2030.
لائحة العقارات الشاغرة: أداة جديدة لضبط السوق
في خطوة جديدة لتعزيز التوازن، طرحت الوزارة في أبريل 2026 مسودة لائحة رسوم العقارات الشاغرة، والتي تهدف إلى:
• تحفيز ملاك العقارات على استغلالها
• تقليل نسب الشغور
• زيادة المعروض العقاري
• الحد من الاحتكار
وتشمل اللائحة:
• فرض رسوم سنوية على العقارات غير المستغلة
• تحديد معايير دقيقة بناءً على العرض والطلب
• تنظيم الإفصاح والتحقق من الإشغال
رؤية تنفيذية: وضوح الإجراءات يعزز الثقة
من جانبه، أكد نائب الوزير إيهاب الحشاني أن القطاع يشهد تحولًا من:
الحلول الفردية إلى نموذج مؤسسي منظم
مرتكزًا على:
• وضوح الإجراءات
• الالتزام بالجداول الزمنية
• تنظيم التراخيص
• توفير الأراضي
• وضوح آليات الخروج للمستثمرين
وهو ما أسهم في رفع جاذبية السوق العقاري أمام المستثمرين المحليين والدوليين.
تسارع التمكين السكني في 2026
تشير أحدث البيانات إلى:
• استفادة 23,222 أسرة من الدعم السكني حتى مارس 2026
• سكن 32,983 أسرة في منازلها خلال نفس الفترة
وهي أرقام تعكس تسارع وتيرة التملك مقارنة بالسنوات السابقة.
قطاع يقود اقتصاد المستقبل
اليوم، لم يعد قطاع الإسكان في السعودية مجرد قطاع خدمي، بل أصبح:
• ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني
• منصة جاذبة للاستثمار
• محركًا لتحسين جودة الحياة
• نموذجًا عالميًا في التحول الرقمي والتنظيمي
ومع استمرار الإصلاحات، وضخ المشاريع، وتعزيز الشراكات، يبدو أن السوق العقاري السعودي يتجه بثبات نحو مرحلة أكثر نضجًا واستدامة، ليكون أحد أبرز قصص النجاح المرتبطة برؤية السعودية 2030.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!