الرياض - السعودية
بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس 2025، دخلت العاصمة السعودية مرحلة مفصلية في تاريخها العقاري، حيث نجحت سياسات \"التوازن العقاري\" في اقتلاع جذور المضاربات التي هيمنت على السوق لعقود، لتحل محلها منظومة أكثر نضجاً قوامها التطوير الحقيقي والطلب السكني الفعلي. وقد شملت هذه الإصلاحات الجذرية فك الحظر عن ملايين الأمترة المربعة في شمال الرياض، وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء التي زادت عن 60 ألف فاتورة لتحفيز طرح الأراضي غير المستغلة، إلى جانب تجميد زيادات الإيجارات لمدة خمس سنوات بهدف كبح القفزات السعرية غير المبررة . ولم تكن هذه الإجراءات مجرد تدخلات مؤقتة، بل جاءت ضمن استراتيجية متكاملة لتحويل القطاع من سوق تقوده المضاربات إلى سوق قائم على أسس اقتصادية سليمة، ما مهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقرار السعري وارتفاع نسبة تملك المواطنين التي تجاوزت 66% في العاصمة، متجهة بثبات نحو مستهدف رؤية 2030 البالغ 70% .
في هذا السياق، كشفت البيانات الصادرة عن البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل عن تراجع دراماتيكي في قيم الصفقات بنسبة 64% خلال العام المنصرم، حيث استقرت التداولات عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة إجمالية بلغت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بـ 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في الفترة السابقة لصدور القرارات . ومن اللافت أن هذه الأرقام لم تعكس أي ضعف في النشاط العقاري، بل جاءت انعكاساً طبيعياً لانحسار دور المستثمرين قصيري الأجل الذين كانوا يعتمدون على المضاربة في الأراضي الخام، في حين انتقلت السيولة نحو مشروعات التطوير المنظم والبيع على الخريطة التي تلبي احتياجات السكن الفعلية. ويضاف إلى ذلك أن معروض الوحدات السكنية في الرياض شهد طفرة غير مسبوقة، حيث من المتوقع تسليم 57 ألف وحدة جديدة خلال عامي 2026 و2027، في إطار خطة أوسع تستهدف ضخ أكثر من 300 ألف وحدة سكنية خلال ثلاث سنوات، وهو ما يسهم في تحقيق معادلة العرض والطلب بشكل متوازن .
ويؤكد مختصون أن نجاح هذه الإصلاحات لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى بنية تحتية تنظيمية متطورة تمثلت في إطلاق مؤشرات عقارية موحدة خلال الربع الأول من عام 2026، أصبحت بمثابة \"لوحة قيادة\" توجه قرارات السوق وتحد من الاعتماد على التقديرات الشخصية . وتقوم هذه المؤشرات بتتبع معدلات الشواغر والإيجارات ونسب الدخل إلى الإيجار في مختلف أحياء العاصمة، مما مكن الجهات التنظيمية من التدخل بدقة في اللحظة المناسبة، دون التسبب في تشوهات السوق. ومن جانبه، أوضح وزير الشؤون البلدية والقروية والإسكان ماجد الحقيل أن التدخل في أسعار العقارات لم يعد قراراً اجتهادياً، بل أصبح مرتبطاً بمؤشرات قابلة للقياس مثل استمرار النمو السعري لفترة محددة ومعدلات الشواغر، مشيراً إلى أن الرياض تشهد اليوم نمواً اقتصادياً غير مسبوق يجعلها في موقع مختلف تماماً عن دورات السوق السابقة .
علاوة على ذلك، أسهمت الإصلاحات التشريعية في فتح آفاق جديدة للاستثمار المؤسسي، حيث دخل قانون تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ في يناير 2026 ضمن إطار تنظيمي دقيق يضمن التوازن بين انفتاح السوق واستقراره، فيما تواصل هيئة السوق المالية تعزيز بيئة صناديق الاستثمار العقاري المتداولة التي تجاوز حجمها 50 مليار دولار في الصفقات والاتفاقيات التي تم توقيعها خلال النسخ السابقة لمنتدى مستقبل العقار . وقد انعكس هذا الزخم التشريعي على سلوك المطورين الذين تحولوا من التركيز على المضاربة بالأراضي إلى التنافس في تقديم مشروعات متكاملة تركز على \"جودة الحياة\"، مع تزايد الطلب على المجمعات السكنية المسورة والشقق الفاخرة القريبة من مراكز الأعمال مثل مركز الملك عبد الله المالي، حيث تتراوح العوائد الإيجارية بين 7% و9% سنوياً في المناطق الشمالية من العاصمة .
وفي ظل هذا التحول النوعي، يشير المراقبون إلى أن الرياض لم تعد سوقاً عقارية تقليدية، بل تحولت إلى منصة عالمية لتجربة نموذج فريد في ضبط الأسواق دون الإضرار بمناخ الاستثمار. ومع استمرار ضخ الأراضي المطورة بأسعار مدعومة تصل إلى 1500 ريال للمتر المربع للمواطنين، إلى جانب التوسع في مشروعات النقل العام مثل مترو الرياض البالغ استثماره 22.5 مليار دولار، تتجه العاصمة نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة، حيث يصبح القطاع العقاري محركاً للنمو الاقتصادي لا وعاءً للمضاربات . ويبقى الرهان اليوم على قدرة هذه السياسات في ترسيخ مكاسبها خلال السنوات المقبلة، في ظل التحديات المرتبطة بتكلفة البناء وسلاسل الإمداد التي تشهد تضخماً سنوياً يتراوح بين 2% إيجاباً وسلباً، غير أن الإرادة التنظيمية الراسخة تؤكد أن الرياض تسير بثبات نحو نموذج عقاري يعيد تعريف مفاهيم الاستثمار طويل الأجل في المنطقة
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!